السبت، 8 ديسمبر 2012

ثرثرة فوق النيل _ نجيب محفوظ ومرحلة مابعد الحرافيش



ثرثرة فوق النيل _ نجيب محفوظ ومرحلة مابعد الحرافيش

by Mohamed Sayed Rashwan on Tuesday, October 16, 2012 at 8:13pm ·

لا أذكر من قال لى ذات مرة : إن أردت أن تقرأ محفوظ فاقرأه حسب التسلسل الزمنى .. من الأقدم للأحدث
تقريباً : الصديق محمد يسرى .
وكنت قد قلت من قبل و أكدّت أن محفوظ لم ولن يكتب أفضل من الحرافيش بل وقلت بأنه لن يكتب مثلها فى الأدب العربى كله ..
ثم تساءلت : مالذى يكمن وراء الحرافيش ؟؟
ماهى المرحلة التالية ؟؟
فى الحقيقة كنت قد قرأت الحرافيش قبل ثرثرة فوق النيل .. رغم أن فرق سنوات الطبع بينهما يقارب أحدَ عشر عاماً ..
لكن يبدو أو على الأرجح أن الحرافيش كتبت قبل ثرثرة فوق النيل ..
وأعتقد أن محفوظ كان له مشروع ما .. مقسم على مراحل .. حتى وإن سبقت بعض الروايات من حيث الطبع على بعض .. فيبقى الروايات مقسمة زمنيا ً ربما حتى من حيث تاريخ تكوين الفكرة لا فقط من حيث الطبع
فإنى أكاد أكون مـتأكدا ً من أن ثرثرة فوق النيل قد كتبت بعد الحرافيش .. حتى وإن طبعت قبلها!
وإذا استرجعنا أحداث الحرافيش الملحمة البشرية والأدبية العظمى .. لوجدناها تضرب فى صلب وعمق الحقيقة .. نجدها تغوص فى الحقيقة بحثاً فتتجاوز البحث لمرحلة اللمس ..
وبالطبع من المعروف أن محفوظ دائماً مايبحث ، من خلال شخصيات رواياته الباحثة
صابر فى "الطريق" الباحث عن الحرية والكرامة والسلام الذى يأمل أن يجدهما فى كنف "سيد سيد الرحيمى" الأب الغائب الذى هو متأكد من وجوده ولكن دون أثر له ملموس ،وفى ظل غياب الرحيمى .. يضطر صابر للقتل فى رحلة البحث ، ثم لا يجد من يخلصه إلا سيد سيد الرحيمى الذى لن يظهر أبداً ولكنه متأكد كل التأكد من وجوده ..
فى قلب الليل " جعفر الراوى " يبحث .. يبحث عن الراحة المفتقده والحرية المهدرة فى كنف جده الذى لا يُريحه لأسباب غير معروفة من جده الذى لا يخبره فيقرر الخروج عن طاعة جده . باسم الحرية والتمرد ، فيطرد من السرايا ..
"عثمان بيومى " الآمل فى العرش الأكبر ..فى " حـضـرة المحـتـرم " لا يكف عن الحلم والمثابرة والاجتهاد .. وتسخير حياته للوصول للمقعد الذى طالما حلم بالجلوس عليه .. فهو يبحث عن السعادة بإشقاء نفسه
وفى " زعبلاوى " القصة القصيرة . يبحث أيضـاً . يبحث البطل عن زعبلاوى الذى يداويه ويشفيه من مرضه المجهول .. ويسمع الأساطير عن الشيخ زعبلاوى غريب الأطوار .. ثم يدركه وهو نائم ويستيقظ ليجده قد مضى دون أن يراه..
والكثير والكثير من الأمثلة .. و اعتقد أن مشروع البحث لدى محفوظ قد انتهى به للمحطة الأخيرة !
"الحـــرافـيــش "
فى الحرافيش محفوظ لا يبحث .. بل يجد الأحداث تأخذه للوصول .. و قد أخذنا فى رحلة مجنونة نحو غشاء الحقيقة ... فلمسناه حتى كدنا أن ننفذ منه .!!
وعندما وصلت للحرافيش قلت ؟
ثم ماذا بعد الحرافيش ؟
قُـدِّرَ لى أن اقرأ ميرامار بعد الحرافيش .. فوجدت أن المرحلة التى بعد الحرافيش عودة لأول الطريق .. فلم تعجبنى ميرامار بالطبع .. وكأننى تعودت من محفوظ أن يبهرنى دائما ً باصطحابى فى رحلاته
ثم كانت " ثرثرة فوق النيل "
بعد أن كان محفوظ يضرب فى العمق .. يضرب الآن لما بعد العمق .. فنفاجأ ان بعد الحقيقة : العبثية .. العبثية العميقة لدرجة الهشاشة ...
حيث محفوظ فى ثرثرة فوق النيل يتحدث عن تلك الحالة التى يستوى فيها الحق بالباطل ، وتتقارب الدرجة اللونيّة بين الأبيض والأسود .. ولا نجد شيئاً يميز الفضيلة من الرذيلة ..
كل شئ فى العوامة كقرينه .. لا أخلاق ولا إيمان ولا كون من الأساس .. كل شئ ميّت وعبثى ..
لا تفكير فى شئ ولا خوف من شئ ولا على شئ ..
وبذلك يكون محفوظ قد عبر بنا من مرحلة الحرافيش المحطة الأخيرة للوصول فيأخذنا لما بعد الوصول ..
إن تلك الرواية كما يقول عنوانها : ثرثرة .. ويحكى أن الروائى إبراهيم أصلان كان جالساً مع الروائى العظيم محمد البساطى والشاعر إبراهيم داوود .. والرسام جورج البهجورى الذى سألهم : مالفرق بين القص والثرثرة : فصمت كل من أصلان والبساطى وقال داوود : الفن !
نجيب محفوظ حولّ الثرثرة التى تبدو فارغة رواية من أعظم الروايات..
فما الجدوى من الثرثرة؟
يكاد يقول محفوظ فى الرواية : ما الجدوى من الحياة ؟ وما الجدوى من التحلى بالأخلاق ؟ وما الجدوى من التديّن ؟ و ما الجدوى من حب الحياة أو الخوف من الموت ؟
يضع محفوظ أمامك كل هذة الاسئلة ويقول لك بأريحية :
إذا أجبتنى سأقول لك ما الجدوى من الثرثرة ؟؟